الشيخ الطوسي

19

التبيان في تفسير القرآن

خلق العقلاء تعريضا لهم للثواب العظيم ، وما عداهم خلق تبعا لهم لما فيه من اللطف ، وهذا الغرض لا يتأتى إلا على مذهب العدل ، وأما على مذهب الجبر فلا . ( وصوركم متوجه إلى البشر كلهم ( فأحسن صوركم ) معناه من الحسن الذي يقتضيه العقل لا في قبول الطبع له عند رؤيته ، لان فيهم من ليس بهذه الصفة . وقال قوم : لا بل هو من تقبل الطبع لأنه إذا قيل : حسن الصورة لا يفهم منه إلا تقبل الطبع ، وسبيله كسيل قوله لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ) ( 1 ) وإن كان فيهم المشوه الخلق لان هذا عارض لا يعتد به في هذا الوصف ، والله تعالى خلق الانسان على أحسن صورة الحيوان كله . والصورة عبارة عن بنية مخصوصة كصورة الانسان والفرس والطير وما أشبه ذلك . ثم قال ( واليه المصير ) يعني إليه المرجع يوم القيامة واليه المآل . ثم قال ( يعلم ) يعني الله تعالى بعلم ( ما في السماوات والأرض ) من الموجودات ( ويعلم ما تسرون وما تعلنون ) أي ما تظهرونه وما تخفونه . وقيل : ما يسره بعضكم إلى بعض وما تخفوه في صدوركم عن غيركم . والفرق بين الاسرار والاخفاء أن الاخفاء أعم لأنه قد يخفى شخصه وقد يخفى المعنى في نفسه والاسرار والمعنى دون الشخص ( والله عليم بذات الصدور ) معناه وهو عالم بأسرار الصدور وبواطنها . ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين فقال ( ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل ) يعني من قبل هؤلاء الكفار ( فذاقوا وبال أمرهم ) أي بما سلطه الله عليهم بأن أهلكهم الله عاجلا واستأصلهم ( ولهم عذاب اليم ) أي مؤلم يوم القيامة . قوله تعالى : ( ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا

--> ( 1 ) سورة 95 التين آية 4 .